خليل الصفدي

185

الوافي بالوفيات ( دار صادر )

تشبّب عشرين سنة ببثينة ، فقال : لا نالتني شفاعة محمد صلى اللّه عليه وسلم وإني لفي يوم من آخر أيام الدنيا إن كنت وضعت يدي عليها لريبة . فما برحنا حتى مات . وقال الأصمعي : حدثني رجل شهد جميلا لما حضرته الوفاة بمصر أنّه دعا به فقال له هل لك أن أعطيك كلّ « 1 » ما أخلّفه على أن تفعل شيئا أعهده إليك ؟ قال : فقلت : اللهم نعم . قال : إذا أنا متّ فخذ حلّتي هذه واعزلها « 2 » جانبا وكلّ شيء سواها هو لك وارحل إلى رهط بثينة فإذا صرت إليهم فارتحل ناقتي هذه واركبها ثم البس حلّتي هذه واشققها ، ثم اعل على شرف وصح بهذه الأبيات ، وخلاك ذمّ : [ من الكامل ] بكر النّعيّ وما كنى بجميل * وثوى بمصر ثواء غير قفول ولقد أجرّ البرد في وادي القرى * نشوان بين مزارع ونخيل قومي بثينة فاندبي بعويل * وأبكي خليلك دون كلّ خليل قال : ففعلت ما أمرني به فما استتممت الأبيات حتى خرجت بثينة كأنها بدر في دجنّة وهي تتثنى في مرطها حتى أتتني فقالت : واللّه يا هذا إن كنت كاذبا لقد فضحتني وإن كنت صادقا لقد قتلتني . قلت : واللّه ما أنا إلّا صادق وأخرجت حلّته فلما رأتها صاحت بأعلى صوتها وصكّت وجهها واجتمع نساء الحي يبكين معها ويندبنه حتى صعقت فمكثت مغشيّا عليها [ ساعة ، ثم قامت ] « 3 » وهي تقول : [ من الطويل ] وإنّ سلوي عن جميل لساعة * من الدّهر ما حانت ولا حان حينها سواء علينا يا جميل بن معمر * إذا متّ بأساء الحياة ولينها قال الرجل : فما رأيت باكيا وباكية أكثر من يومئذ .

--> ( 1 ) في الأصل : « كما » وما هنا عن الأغاني والوفيات . ( 2 ) في الأصل : « واعتزلها » وما هنا عن الأغاني والوفيات . ( 3 ) الاستدراك من الأغاني والوفيات .